حين يقول الغرب ما عرفه العالم العربي مسبقاً: حرب إيران والقانون الدولي
رئيس دولة غربي يصف الحرب بأنها غير قانونية. فقهاء القانون العرب قدّموا هذه الحجة قبل أشهر.
وصف الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير الحرب على إيران بأنها "مخالفة للقانون الدولي" في آذار/مارس 2026 (رجب 1447 هـ). في العواصم العربية، لم يكن ردّ الفعل مفاجأة بل اعترافاً. فقهاء القانون في جامعة القاهرة والجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا ومنظمة التعاون الإسلامي كانوا قد صاغوا التقييم القانوني ذاته منذ الضربات الأولى. أهمية تصريح شتاينماير لا تكمن في جدّته بل في مصدره: رئيس دولة غربي في منصبه يصادق على موقف تبنّاه الجنوب العالمي منذ البداية.
يتناول هذا المقال الحجة القانونية كما بُنيت من داخل الفقه القانوني العربي والإسلامي، والمواقف المؤسسية لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، والأسباب البنيوية التي جعلت المجتمعين القانونيين الغربي والعربي يصلان إلى الاستنتاج ذاته عبر مسارات تحليلية مختلفة.
جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي: الاستجابات المؤسسية
عقدت جامعة الدول العربية جلسة طارئة في غضون أيام من الضربات الأولى على إيران. أسفرت الجلسة عن قرار يدين العمل العسكري باعتباره انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة ويدعو إلى وقف فوري للأعمال العدائية. صدر القرار بإجماع شبه تام، حيث امتنعت البحرين وحدها عن التصويت، عاكسةً توجّهها الأمني الخاص.
أصدرت منظمة التعاون الإسلامي، التي تمثّل 57 دولة عضواً، بياناً موازياً من مقرّها في جدة. ذهب بيان المنظمة أبعد من قرار الجامعة العربية، إذ استند صراحة إلى المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة وأشار إلى اجتهادات محكمة العدل الدولية بشأن استخدام القوة. كما دعت المنظمة إلى عقد جلسة طارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب إجراء "الاتحاد من أجل السلام".
جاءت هذه الاستجابات المؤسسية سريعة لكنها لم تكن مفاجئة. فلكلتا المنظمتين سجلّ ثابت في معارضة العمل العسكري الغربي الأحادي في الدول ذات الأغلبية المسلمة. ما ميّز الحالة الإيرانية هو درجة التحديد في الحجة القانونية. فقد ذكر بيان منظمة التعاون الإسلامي قضيتي نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة والمنصات النفطية بالاسم، مما يشير إلى أن التقييم القانوني لم يكن مجرد معارضة سياسية متلبّسة بلباس قانوني.
تحوّل موقف مجلس التعاون الخليجي بشكل جذري بعد أن ردّت إيران على الضربات الأمريكية-الإسرائيلية الأولى بقصف القواعد الأمريكية والبنية التحتية المدنية في دول الخليج. تعرّضت البحرين والكويت وقطر والإمارات وعُمان والأردن جميعها لضربات إيرانية. شارك مجلس التعاون الخليجي في رعاية قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 (2026) الذي أدان "الهجمات الشنيعة" لإيران على جيرانها، وصدر بتصويت 13 صوتاً مؤيداً مقابل صفر معارض وامتناعين، مع مشاركة 135 دولة في رعايته. وجدت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وكلتاهما لديها مخاوف أمنية خاصة من النفوذ الإقليمي لإيران وطموحاتها النووية، نفسيهما في موقف متناقض يدينان فيه الضربات الغربية الأولى وهجمات إيران الانتقامية على أراضيهما في آن واحد.
الفقه القانوني العربي: نقطة انطلاق مختلفة
تمحور النقاش القانوني الغربي حول حرب إيران حول ما إذا كان حق الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 يمكن أن يمتد ليشمل العمل الاستباقي أو الوقائي ضد دولة على عتبة امتلاك السلاح النووي. يُصاغ السؤال باعتباره توتراً بين نص الميثاق والواقع الأمني المتطور.
ينطلق الفقه القانوني العربي من مقدمة مختلفة. فقد أكد علماء في مؤسسات تشمل جامعة الأزهر وكلية الحقوق بالجامعة الأردنية وكلية الدراسات الإسلامية بقطر أن حظر استخدام القوة في ميثاق الأمم المتحدة ليس مجرد قاعدة تقنية بل يعكس مبدأ جوهرياً في المساواة بين الدول ذات السيادة. وتاريخ التدخل العسكري الغربي في الشرق الأوسط، من السويس 1956 مروراً بالعراق 2003 وصولاً إلى ليبيا 2011، يشكّل الخلفية التفسيرية التي يقرأ من خلالها فقهاء القانون العرب المادة 2(4).
جادل أحمد أبو الوفا، أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة وعضو معهد القانون الدولي، بأن نمط استناد الدول الغربية إلى الدفاع عن النفس لتبرير العمليات العسكرية في الدول ذات الأغلبية المسلمة قد أضعف مصداقية المادة 51 كمعيار قانوني. ويرى أن الضربات على إيران لا تمثل سؤالاً قانونياً جديداً بل استمراراً لنمط يُتّخذ فيه الدفاع عن النفس غطاءً قانونياً لأهداف استراتيجية.
أما محمد بجاوي، الفقيه الجزائري والرئيس السابق لمحكمة العدل الدولية، فقد جادل طوال مسيرته بأن حظر استخدام القوة في الميثاق يجب أن يُفسَّر مع إيلاء اهتمام خاص لمصالح الدول النامية التي تتحمل العبء غير المتناسب للتدخلات العسكرية. يشكّل إرثه الفكري الإطار الذي يتعامل من خلاله جيل من فقهاء القانون العرب والأفارقة مع حالات كحرب إيران.
لا ينتج هذا المنظور استنتاجاً قانونياً مختلفاً. فالعلماء الغربيون والعرب يتفقون إلى حد كبير على أن الضربات تفتقر إلى أساس قانوني كافٍ. لكن الإطار التحليلي يختلف: حيث يسأل العلماء الغربيون عما إذا كان القانون يسمح باستثناء، يسأل العلماء العرب لماذا يبدو أن الاستثناءات تنطبق دائماً في اتجاه واحد.
الفقه الإسلامي وتحريم العدوان
يتضمن التراث الفقهي الإسلامي إطاره الخاص لتقييم مشروعية النزاع المسلح. وبينما يعمل القانون الدولي والفقه الإسلامي في منظومتين معيارتين منفصلتين، فإن تقاطعهما يحمل أهمية في الخطاب السياسي للدول ذات الأغلبية المسلمة وداخل منظمة التعاون الإسلامي.
يميّز الفقه الإسلامي الكلاسيكي بين الجهاد الدفاعي (الاستجابة للعدوان على ديار المسلمين) والجهاد الهجومي (مفهوم ترفض غالبية فقهاء المسلمين المعاصرين انطباقه في العصر الحديث). يقول القرآن الكريم: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة: 190). يُستشهد بهذه الآية على نطاق واسع من قبل العلماء المسلمين المعاصرين باعتبارها تؤسّس لتحريم العدوان يوازي المادة 2(4).
أصدر مجمع الفقه الإسلامي الدولي، العامل تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي، قراراً في عام 2026 يقضي بأن الضربات العسكرية على إيران تشكّل عدواناً بموجب كل من القانون الدولي والمبادئ الفقهية الإسلامية. واستند القرار إلى ميثاق الأمم المتحدة والنصوص القرآنية المحرّمة للاعتداء.
يحمل نهج الإطار المزدوج هذا دلالة سياسية في الدول ذات الأغلبية المسلمة. فهو يتيح للحكومات والمجتمع المدني معارضة الحرب على أسس القانون الدولي العلماني والفقه الإسلامي في آن واحد، مما يوسّع قاعدة المعارضة.
فجوة الازدواجية
رُحّب بتصريح شتاينماير في أنحاء العالم العربي، لكنه سلّط الضوء أيضاً على ما يصفه المعلّقون في المنطقة بالنفاق الأوروبي. فألمانيا تصف الحرب بأنها غير قانونية بينما يُنسّق سلاح الجو الأمريكي عمليات الشرق الأوسط عبر قاعدة رامشتاين الجوية على الأراضي الألمانية. والدول الأوروبية تعبّر عن قلقها إزاء الخسائر المدنية بينما تواصل صفقات الأسلحة مع الأطراف المعنية بالصراع.
أشارت هيئة تحرير الجزيرة العربية في تعليق نُشر في آذار/مارس 2026 إلى أن كلمات شتاينماير ستحمل ثقلاً أكبر لو صاحبتها إجراءات ملموسة: رفض حقوق التحليق، أو تعليق التعاون العسكري، أو رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية. دون خطوات كهذه، يبقى التقييم القانوني، وفق صياغتهم، بيان حقيقة بلا عواقب.
يتردد صدى هذا النقد خارج التعليقات الإعلامية. فقد دعا قرار جامعة الدول العربية صراحة الدول الأوروبية التي وصفت الحرب بأنها غير قانونية إلى "مواءمة أفعالها مع تقييماتها القانونية". والفجوة بين الإدانة اللفظية والتيسير المادي تشكّل محوراً رئيسياً في كيفية معالجة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للاستجابات الأوروبية تجاه الصراع.
لاحظ الفقيه القانوني المصري نبيل العربي، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية والقاضي السابق في محكمة العدل الدولية، في مقابلة واسعة الاستشهاد أن مصداقية القانون الدولي في الجنوب العالمي لا تتوقف على صحة التحليل القانوني بل على ما إذا كانت الاستنتاجات القانونية تنتج عواقب متساوية بصرف النظر عن هوية المنتهك. حين غزا العراق الكويت عام 1990، أذن مجلس الأمن باستخدام القوة في غضون أشهر. حين تشنّ دول غربية عمليات عسكرية دون إذن، تغيب آليات الإنفاذ.
انتقائية مجلس الأمن
يكشف تعامل مجلس الأمن الدولي مع حرب إيران نمطاً لاحظته دول المنطقة مراراً. اعتمد المجلس القرار 2817 (2026) الذي يدين ضربات إيران الانتقامية على جيرانها الخليجيين، بتصويت 13 صوتاً مؤيداً مقابل صفر معارض وامتناعين (روسيا والصين). صدر القرار بدعم استثنائي: 135 دولة شاركت في رعايته. لكن مشروع قرار روسي منفصل يدعو جميع الأطراف إلى وقف الأنشطة العسكرية رُفض بتصويت 4 أصوات مؤيدة مقابل صوتين معارضين و9 ممتنعين. صوّتت الولايات المتحدة ضد مشروع وقف إطلاق النار.
بالنسبة للدول العربية، هذه الانتقائية هي القصة. استطاع المجلس حشد إجماع شبه تام لإدانة ضربات إيران الانتقامية لكنه لم يتمكن من الاتفاق على مطالبة جميع الأطراف بوقف القتال. الضربات الأمريكية-الإسرائيلية الأولى التي أطلقت سلسلة التصعيد بأكملها لم يتناولها أي قرار مُعتمد.
آلية "الاتحاد من أجل السلام" التي استندت إليها منظمة التعاون الإسلامي تتيح للجمعية العامة التوصية بتدابير جماعية حين يكون مجلس الأمن في حالة جمود. لكن قرارات الجمعية العامة تفتقر إلى القوة القانونية الملزمة. تحمل ثقلاً سياسياً وأخلاقياً لكنها لا تستطيع فرض الامتثال.
هذه الديناميكية البنيوية مفهومة جيداً في العالم العربي، حيث يُستشهد بها دليلاً على أن النظام القانوني الدولي يعمل بنظام المستويين: قواعد ملزمة للضعفاء وإرشادات اختيارية للأقوياء. فشل مجلس الأمن في التعامل مع القضية الفلسطينية-الإسرائيلية والحرب الأهلية السورية، وتعامله الانتقائي الآن مع حرب إيران، يعزز هذا التصور. سواء كان هذا التوصيف عادلاً من منظور النظرية القانونية أم لا، فهو يشكّل كيفية مناقشة مشروعية حرب إيران في المنطقة.
ما تراقبه العواصم العربية
بعيداً عن الأطر القانونية، تقيّم الحكومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التداعيات العملية للسابقة التي تُرسى. فإذا قُبلت الضربات العسكرية ضد دولة على عتبة امتلاك السلاح النووي باعتبارها قانونية بموجب قراءة موسّعة للدفاع عن النفس، فإن التداعيات تمتد إلى ما هو أبعد من إيران.
تدير عدة دول عربية برامج نووية مدنية أو أعلنت عن طموحات في مجال الطاقة النووية، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن. والسابقة القاضية بأن القدرة على التخصيب النووي، حتى دون التسليح، يمكن أن تستدعي ضربات عسكرية، تثير مخاوف أمنية في أنحاء المنطقة.
الإمارات العربية المتحدة، التي تشغّل محطة براكة للطاقة النووية، كانت منتبهة بشكل خاص للإطار القانوني. ورغم أن البرنامج الإماراتي مدني بشفافية وخاضع لرقابة كاملة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن المبدأ القائل بأن الأنشطة النووية لدولة ما قد تُتخذ مبرراً للعمل العسكري يخلق حالة من عدم اليقين.
حافظت تركيا، الواقعة بين أوروبا والشرق الأوسط، على موقف محسوب بدقة. أدانت أنقرة الضربات باعتبارها غير متناسبة دون استخدام مصطلح "غير قانوني"، مما يعكس علاقة تركيا المعقدة مع كل من التحالف الغربي ومصالحها الإقليمية.
النقاش القانوني حول حرب إيران ليس بالنسبة لدول المنطقة تمريناً أكاديمياً. إنه سؤال حيّ حول القواعد التي تحكم بيئتها الأمنية وما إذا كانت تلك القواعد تنطبق بالتساوي على الجميع.
المصادر
- جامعة الدول العربية، قرار الجلسة الطارئة بشأن الوضع في إيران (2026)
- منظمة التعاون الإسلامي، بيان بشأن الضربات العسكرية على إيران (2026)
- أحمد أبو الوفا، جامعة القاهرة، تعليق حول استخدام القوة والمادة 51
- محمد بجاوي، الرئيس السابق لمحكمة العدل الدولية، كتابات حول ميثاق الأمم المتحدة والدول النامية
- مجمع الفقه الإسلامي الدولي (منظمة التعاون الإسلامي)، قرار بشأن النزاع الإيراني (2026)
- القرآن الكريم، سورة البقرة: 190
- ميثاق الأمم المتحدة، المادتان 2(4) و51
- محكمة العدل الدولية، نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة الأمريكية (1986)
- محكمة العدل الدولية، المنصات النفطية (إيران ضد الولايات المتحدة الأمريكية) (2003)
- نبيل العربي، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية والقاضي السابق في محكمة العدل الدولية، مقابلة (2026)
- قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 (2026)، المعتمد في 12 آذار/مارس 2026
- الجزيرة العربية، تعليق تحريري حول الاستجابات الأوروبية (آذار/مارس 2026)
- مجلس التعاون الخليجي، بيان بشأن الوضع الإيراني (2026)