تحت الظل: كيف تعيش دول الخليج مع التهديد الإيراني عبر الوكلاء
من اعتراض الصواريخ فوق الرياض إلى هجمات الطائرات المسيّرة على أبوظبي، بنت دول الخليج منظومة أمنية وُلدت من تجربة مباشرة مع شبكة الوكلاء الإيرانية
شبكة الوكلاء التي يرسمها المحللون في واشنطن ولندن على شكل مخططات بيانية هي ذاتها التي تتعقبها دول الخليج عبر شاشات رادارات الدفاع الجوي. اعترضت المملكة العربية السعودية صواريخ فوق عاصمتها. وأقلعت مقاتلات الإمارات العربية المتحدة لصد هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت بنية تحتية مدنية. وأحبطت البحرين خلايا مرتبطة بإيران على أراضيها. بالنسبة للدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، فإن جهاز الوكلاء الإيراني ليس مفهوماً جيوسياسياً مجرداً، بل تهديد عملياتي له سجل موثق من الهجمات.
يتناول هذا المقال ذلك السجل والاستجابة الأمنية التي أنتجها.
سجل الهجمات: الحوادث الموثقة
شكّل الحوثيون أداة التنفيذ الرئيسية للقوة الإيرانية عبر الوكلاء الموجهة نحو الخليج منذ تدخل التحالف بقيادة السعودية في اليمن في مارس / آذار 2015.
تحمّلت المملكة العربية السعودية العدد الأكبر من الهجمات. استهدفت صواريخ الحوثيين وطائراتهم المسيّرة مدناً سعودية ومطارات ومنشآت نفطية ومواقع عسكرية بشكل متواصل منذ عام 2015. وكان هجوم سبتمبر / أيلول 2019 على منشأة أرامكو السعودية في بقيق وحقل خريص أكثر الضربات أثراً على الإطلاق، حيث خفّض إنتاج النفط السعودي مؤقتاً إلى النصف وأزال ما يقارب 5.7 مليون برميل يومياً من الإمدادات العالمية. نسبت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والمحققون الأمميون الهجوم إلى إيران أو إلى أسلحة إيرانية المصدر، رغم نفي طهران لمسؤوليتها. وبصرف النظر عن موقع الإطلاق، فقد تطابقت الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز المستخدمة مع أنماط الإنتاج العسكري الإيراني وفقاً لنتائج الأمم المتحدة.
شهدت الإمارات العربية المتحدة تصعيداً مباشراً في يناير / كانون الثاني 2022، عندما ضربت صواريخ وطائرات مسيّرة حوثية أبوظبي، مستهدفة منشأة تخزين نفط في منطقة مصفح الصناعية ومناطق قرب مطار أبوظبي الدولي. قُتل ثلاثة مدنيين. شكّل الهجوم أول مرة تسفر فيها ضربات حوثية عن سقوط قتلى على الأراضي الإماراتية، وأظهر المدى المتزايد والدقة المتنامية للأسلحة الإيرانية المصدر في أيدي الحوثيين. اعترضت منظومتا ثاد وباتريوت الإماراتيتان هجوماً بصاروخ باليستي بعد أيام، في أول استخدام قتالي مؤكد لمنظومة ثاد.
تواجه البحرين فئة مختلفة من التهديد. بوصفها دولة ذات أغلبية شيعية يحكمها نظام ملكي سني، كشفت البحرين مراراً عن شبكات مرتبطة بإيران تمارس تهريب الأسلحة وتصنيع المتفجرات وجمع المعلومات الاستخباراتية على أراضيها. نسبت السلطات البحرينية عدة مخططات أُحبطت إلى تنسيق مع الحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك مخابئ أسلحة وشبكات عبوات ناسفة. ولا تزال أحداث 2011، التي قمعتها الحكومة البحرينية وحلفاؤها السعوديون والإماراتيون بنشر قوة درع الجزيرة، نقطة مرجعية لكيفية تقييم دول الخليج لقدرة إيران على استغلال مواطن الضعف الداخلية.
وبعيداً عن دول الخليج ذاتها، أثّرت حملة الحوثيين ضد الملاحة في البحر الأحمر منذ أواخر 2023 بشكل مباشر على التجارة البحرية الإقليمية. عانت الموانئ الخليجية، ولا سيما جدة والساحل السعودي على البحر الأحمر، من اضطراب في خطوط الشحن التجاري. وارتفعت أقساط التأمين على السفن العابرة لمضيق باب المندب بشكل حاد، مما أضاف تكاليف أثّرت بشكل غير متناسب على الاقتصادات الإقليمية المعتمدة على التجارة البحرية.
لماذا يرى الخليج ما لا تراه أوروبا
الفجوة بين تقييمات التهديد الخليجية والأوروبية تجاه إيران ليست أيديولوجية في المقام الأول، بل تجريبية.
تُقيّم العواصم الأوروبية إيران من خلال إطار دبلوماسي يتمحور حول الملف النووي وانتشار الصواريخ وإمكانية التوصل إلى نتائج تفاوضية. ينتج هذا الإطار سياسات تركز على الانخراط والعقوبات والتقدم التدريجي. وقد سعى تنسيق الدول الثلاث الأوروبية (فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة) باستمرار إلى قنوات حوار مع طهران، بما في ذلك من خلال مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة ومحاولات إحيائها اللاحقة.
تُقيّم العواصم الخليجية إيران من خلال إطار عملياتي يرتكز على القدرة المثبتة والنوايا المعلنة. يشير المسؤولون السعوديون إلى هجوم أرامكو وحملة الصواريخ الحوثية والاستفزازات البحرية الإيرانية في الخليج. ويشير المسؤولون الإماراتيون إلى ضربات أبوظبي والنمط الأوسع لتدفق الأسلحة الإيرانية إلى جهات فاعلة غير حكومية في المنطقة. ويستشهد المسؤولون البحرينيون بالمخططات المُحبطة على أراضيهم.
عندما يدعو القادة الأوروبيون، وآخرهم الرئيس الفرنسي ماكرون، إلى الانخراط الدبلوماسي مع طهران، فإن استجابة الخليج تتشكّل بحساب يُقلل الأوروبيون من وزنه باستمرار: كل شهر من العملية الدبلوماسية هو شهر تستمر فيه الأسلحة الإيرانية بالتدفق إلى الحوثيين وحزب الله والميليشيات العراقية. من منظور الرياض، الانخراط دون إنفاذ ليس دبلوماسية، بل هو شراء للوقت لصالح الطرف الآخر.
هذا لا يعني رفضاً مطلقاً للدبلوماسية. فقد توصلت المملكة العربية السعودية وإيران إلى اتفاق بوساطة صينية لاستعادة العلاقات الدبلوماسية في مارس / آذار 2023، مما يُظهر استعداد الخليج للتعامل مباشرة مع طهران. لكن النهج الخليجي يُعطي الأولوية لضمانات أمنية ملموسة على الأُطر الدبلوماسية الموجّهة نحو العملية. تضمّن الاتفاق السعودي الإيراني التزامات محددة بعدم التدخل، لا لغة طموحة حول الحوار.
المنظومة الأمنية: ما بناه الخليج
ردّت دول الخليج على تهديد الوكلاء الإيراني ببناء بنية تحتية أمنية متكاملة بشكل متزايد تستند إلى شراكات متعددة.
يقع الدفاع الجوي في صميم هذه المنظومة. تُشغّل المملكة العربية السعودية منظومات باتريوت من طراز PAC-2 وPAC-3 في أنحاء المملكة، ضمن بنية دفاعية متعددة الطبقات مصممة خصيصاً لمواجهة تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية. وتنشر الإمارات منظومتي باتريوت وثاد، حيث أثبتت عمليات اعتراض أبوظبي في يناير / كانون الثاني 2022 فعالية الأخيرة القتالية. استثمر كلا البلدين مليارات الدولارات في مشتريات الدفاع الجوي، كنتيجة مباشرة لتهديد الوكلاء.
تضمّنت اتفاقيات إبراهيم، التي وقّعتها الإمارات والبحرين مع إسرائيل في سبتمبر / أيلول 2020، بُعداً أمنياً كثيراً ما يطغى عليه السرد الدبلوماسي والاقتصادي. وقد توسّع تبادل المعلومات الاستخباراتية حول التهديدات الإيرانية والتدريبات العسكرية المشتركة والتعاون في تكنولوجيا الدفاع بين إسرائيل والدول الخليجية الموقّعة. وتعكس مجموعة I2U2 (الهند وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة)، رغم تركيزها الرسمي على التعاون الاقتصادي، توافقاً أمنياً ناشئاً يستجيب جزئياً للمخاوف المشتركة بشأن نشاط الوكلاء الإيرانيين والأمن البحري.
وسّعت دول مجلس التعاون أيضاً شراكاتها الأمنية الثنائية. تبقى العلاقة الدفاعية السعودية الأمريكية حجر الأساس، مع عمليات دفاع جوي مشتركة وتبادل استخباراتي يركز تحديداً على التهديد الحوثي. ونوّعت الإمارات شراكاتها الدفاعية لتشمل فرنسا والمملكة المتحدة وكوريا الجنوبية، مما يُقلّل الاعتماد على مورّد واحد.
ازدادت التدريبات العسكرية الخليجية المشتركة وتيرةً وتعقيداً. ووسّعت قوة درع الجزيرة، المصممة أصلاً لحالات الأمن الداخلي الطارئة، صلاحياتها لتشمل التعاون الدفاعي الخارجي. ورغم أن القدرة الدفاعية الجماعية لمجلس التعاون لا تزال أقل من مجموع أجزائها بسبب الخلافات السياسية بين الدول الأعضاء، فإن المسار يتجه نحو تكامل أكبر استجابةً للتهديد الإيراني المشترك.
البُعد المالي: دول الخليج كمنفّذين للعقوبات
شكّلت المراكز المالية الخليجية، ولا سيما دبي، تاريخياً نقاط عبور لشبكات التحايل على العقوبات الإيرانية. استغل الحرس الثوري الإيراني وجهاز تمويل وكلائه موقع الإمارات كمركز تجاري إقليمي، مستخدماً شركات واجهة وشبكات إعادة تصدير لنقل الأموال والبضائع.
وضع هذا دول الخليج في موقف حرج. تعاونت السلطات الإماراتية مع تحقيقات وزارة الخزانة الأمريكية ونفّذت إجراءات امتثال، لكن الحجم الهائل للتجارة المارة عبر دبي يجعل الإنفاذ الشامل صعباً. ولا يزال التوتر قائماً بين دور الإمارات كمركز تجاري ومصلحتها الأمنية في احتواء الشبكات المالية الإيرانية.
استثمرت المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى في قدرات الاستخبارات المالية الهادفة إلى تعطيل تدفقات تمويل الوكلاء، بالتعاون مع توصيات مجموعة العمل المالي وهيكل العقوبات بقيادة الولايات المتحدة. ولا تغيب المفارقة عن المسؤولين الخليجيين: البنية التحتية المالية ذاتها التي تربط المنطقة بالتجارة العالمية توفر أيضاً قنوات يستغلها تمويل الوكلاء الإيرانيين.
العدسة الطائفية: جيوسياسة بقناع مذهبي
تُؤطّر الحكومات الخليجية تهديد الوكلاء الإيرانيين بشكل رئيسي كتحدٍّ أمني بين دولة ودولة، لا كصراع طائفي. ويصف المسؤولون السعوديون السلوك الإيراني باستمرار بأنه سياسة دولة توسعية تُوظّف الهوية المذهبية بدلاً من أن تمثّل المجتمعات الشيعية فعلياً.
التمييز مهم لأن الإطار الطائفي يحجب الحساب الجيوسياسي. فإيران لا تدعم الحوثيين لأنهم شيعة زيدية، بل تدعمهم لأنهم يخدمون المصالح الاستراتيجية الإيرانية في إرباك الحدود الجنوبية للسعودية وتوسيع النفوذ الإيراني إلى نقطة اختناق باب المندب. وإيران لا تُسلّح حزب الله بسبب المذهب الاثني عشري المشترك، بل تُسلّحه لأنه يوفر عمقاً استراتيجياً في مواجهة إسرائيل ويُسقط القوة الإيرانية على البحر المتوسط.
تُدير دول الخليج التي تضم تجمعات شيعية كبيرة، ولا سيما البحرين والمنطقة الشرقية في السعودية والكويت، ديناميكية داخلية تستغلها الاستراتيجية الإيرانية عبر الوكلاء عمداً. وقد سعى الحرس الثوري تاريخياً إلى تنمية اتصالات داخل المجتمعات الشيعية في دول الخليج، ليس لأن جميع الشيعة الخليجيين يتماهون مع إيران، بل لأن حتى التجنيد المحدود يوفر شبكات استخباراتية وقدرة محتملة على زعزعة الاستقرار.
يخلق هذا معضلة أمنية حقيقية للحكومات الخليجية: كيف تُعالج التدخل الإيراني الخارجي دون تنفير مواطنيها الشيعة، الذين تُعبّر أغلبيتهم الساحقة عن مظالم محلية مشروعة لا علاقة لها بالسياسة الإيرانية. لم يُصب التوازن دائماً، وقد وثّقت منظمات حقوق الإنسان حالات أثّرت فيها الاستجابات الأمنية الخليجية للتدخل الإيراني المزعوم بشكل غير متناسب على المجتمعات الشيعية.
ما الذي تغيّر منذ 2023
شكّل الاتفاق السعودي الإيراني بوساطة صينية في مارس / آذار 2023 تحولاً ملحوظاً. استعادت الرياض وطهران العلاقات الدبلوماسية وتبادلتا السفراء. وخفّفت الهدنة في اليمن، رغم هشاشتها، من الهجمات الحوثية المباشرة على الأراضي السعودية.
تقييم: هذا التقارب لم يُغيّر جوهرياً بنية الوكلاء. تستمر الأسلحة الإيرانية بالوصول إلى الحوثيين. وظلت قدرات حزب الله سليمة حتى العمليات العسكرية الإسرائيلية الكبرى في 2024. وتحافظ فصائل الحشد الشعبي في العراق على روابطها الإيرانية. ما تغيّر هو مستوى المواجهة المباشرة بين إيران والسعودية، لا البنية التحتية للوكلاء بحد ذاتها.
تستمر الاستثمارات الأمنية لدول الخليج. لم تتباطأ مشتريات الدفاع الجوي. وتعمّق التعاون الاستخباراتي مع إسرائيل والولايات المتحدة. ويبدو أن التقييم الجماعي لمجلس التعاون، استناداً إلى البيانات الرسمية المتاحة وإجراءات السياسة، هو أن الانخراط الدبلوماسي مع إيران مفيد لكنه غير كافٍ، وأن الجاهزية الأمنية يجب أن تسير بشكل مستقل عن أي عملية دبلوماسية.
تراقب الحكومات الخليجية الانخراط الدبلوماسي الأوروبي مع طهران بقلق محدد: أن تُزوّد التنازلات الغربية بشأن الملف النووي أو تخفيف العقوبات إيران بموارد إضافية لتمويل شبكة وكلائها. أثار الإفراج عن 6 مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمّدة ضمن صفقة تبادل السجناء الأمريكية الإيرانية في 2023 انتقادات حادة من معلّقين محسوبين على الخليج، الذين رأوا أن أي تخفيف مالي يصل إلى طهران سيتدفق جزئياً نحو تمويل الوكلاء. ورغم أن صحة هذا التقييم لا تزال موضع نقاش، فإنه يُشكّل كيفية تقييم الخليج للمبادرات الدبلوماسية الغربية.
شبكة الوكلاء لا تزال عاملة. ودول الخليج لا تزال مستهدفة. والمنظومة الأمنية المبنية استجابةً لذلك تستمر بالتوسع. بالنسبة لمجلس التعاون الخليجي، تبقى المسافة بين التفاؤل الدبلوماسي الأوروبي والواقع العملياتي الخليجي الفجوة الحاسمة في أي مقاربة غربية للملف الإيراني.
المصادر
- وكالة الأنباء السعودية، بيانات رسمية حول الهجمات الحوثية واعتراضات الدفاع الجوي
- وكالة أنباء الإمارات (وام)، تغطية هجمات أبوظبي والاستجابات الرسمية
- فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن، تقارير حول نقل الأسلحة وإسناد الهجمات
- القيادة المركزية الأمريكية، بيانات حوادث البحر الأحمر ومصادرات الشحنات البحرية
- المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، التوازن العسكري 2025، فصلا دول الخليج وإيران
- مجموعة الأزمات الدولية، تحليل التقارب السعودي الإيراني
- مركز كارنيغي للشرق الأوسط، منشورات المنظومة الأمنية الخليجية
- تشاتام هاوس برنامج الخليج، أبحاث التعاون الدفاعي لمجلس التعاون
- قاعدة بيانات نقل الأسلحة في معهد ستوكهولم (SIPRI)، بيانات مشتريات دول الخليج
- مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأمريكية (OFAC)، إجراءات إنفاذ العقوبات المتعلقة بالإمارات