Echo
AR EN
March 24, 2026· 6 min read

مدننا، قوالبهم: ماذا يعني أن تصبح أسماء عربية أساليب حرب

ثلاث مدن على خريطة غزة تحوّلت إلى تعليمات لتدمير لبنان. وأهلها يشاهدون.

ثمة نوع خاص من السمع يأتي مع التعرّف. حين أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في أواخر آذار/مارس 2026 أن تدمير قرى جنوب لبنان الحدودية سيتبع "نموذج بيت حانون ورفح"، وحين حذّر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في وقت سابق من الشهر نفسه من أن الضاحية ستبدو "قريباً جداً" مثل خان يونس، وقعت هذه الكلمات بشكل مختلف في عمّان وبيروت والقاهرة ودول الخليج عمّا وقعت في غرف الأخبار في واشنطن أو لندن. في العالم العربي، هذه ليست أسماء أماكن مجرّدة على خريطة أجنبية. هذه أماكن عاش فيها أبناء عمومة، وكان للأعمام فيها محلات، وولدت فيها جدّة أحدهم. هذه الأماكن، بأعمق معانيها، لنا.

وقد تحوّلت إلى أفعال.

الأسماء التي نعرفها

قل "بيت حانون" في بيت فلسطيني في الأردن، وسيحدثك أحدهم عن البرتقال. بساتين الحمضيات التي كانت تحدّد معالم المدينة الزراعية الصغيرة على الطرف الشمالي الشرقي من غزة، التي كان عدد سكانها نحو 52 ألف نسمة قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، هي جزء من مفردات خسارة مشتركة تمتد عبر الشتات الفلسطيني. أكثر من 2.3 مليون لاجئ فلسطيني يعيشون في الأردن. ونحو 485 ألفاً مسجّلون في لبنان. وقرابة 576 ألفاً ما زالوا في سوريا. بالنسبة لهذه المجتمعات، مدن غزة ليست تجريدات بعيدة، بل هي الأماكن التي يصفها الأقارب حين يتحدثون عن الوطن.

بساتين بيت حانون، والعمّال الذين كانوا يعبرون معبر إيرز القريب للعمل في إسرائيل، ومدارسها الاثنتا عشرة وكليتها الزراعية، كل هذا لا يوجد الآن إلا في ذاكرة أناس مشتّتين عبر مخيمات اللجوء من الزعتري إلى عين الحلوة. المدينة نفسها، وفق تحليل صور الأقمار الاصطناعية، شهدت تدمير 84 في المئة من مبانيها ضمن منطقة شمال غزة التي تضمها. وصحيفة هآرتس الإسرائيلية وصفتها بأنها "لم تعد موجودة" بحلول منتصف 2025.

حين سمّاها كاتس نموذجاً لجنوب لبنان، سمّى جرحاً تحمله كل عائلة فلسطينية في العالم العربي.

رفح: الحدود التي تربطنا

تحتل رفح مكانة فريدة في الوعي العربي لأنها النقطة التي تلامس فيها غزة العالم العربي الأوسع. معبر رفح، البوابة الحدودية بين غزة ومصر، كان لعقود المخرج الوحيد الذي لا يمر عبر إسرائيل. حين كانت العائلات في غزة تريد زيارة أقاربها في القاهرة أو السفر إلى جامعات في الخليج، كانت تمر عبر رفح. وحين كانت البضائع تحتاج إلى الدخول أو الخروج، كانت الأنفاق تحت حدود رفح المقسّمة تحملها.

المدينة نفسها قُسمت عام 1982 حين أعيدت سيناء إلى مصر ورُسم خط حدودي عبر وسط ما كان مجتمعاً واحداً. العائلات على الجانب الفلسطيني كانت أحياناً ترى بيوت أقاربها على الجانب المصري، يفصلها سلك شائك وإسمنت. الأنفاق التي حُفرت تحت الحدود لم تكن مجرد ممرات تهريب، بل كانت تعبيراً عن الارتباط، ورفضاً للقبول بأن خطاً على خريطة يمكن أن يقطع ما بنته أجيال من الحياة المشتركة.

قبل الحرب، كان عدد سكان رفح نحو 275 ألف نسمة. بحلول مطلع 2024، احتشد في المدينة 1.5 مليون فلسطيني نازح، وُجّه كثير منهم إلى هناك بأوامر إخلاء إسرائيلية أخبرتهم أن الجنوب آمن. في 6 أيار/مايو 2024، شنّ الجيش هجومه. نُزح نحو مليون شخص مجدداً. أُغلق معبر رفح، فانقطعت آخر صلة لغزة بالعالم العربي خارج السيطرة الإسرائيلية.

مركز مرونة المعلومات وثّق تدمير ما يقارب 70 في المئة من المباني في المناطق التي فحصها. ودراسة الجامعة العبرية رفعت النسبة إلى 89 في المئة من المباني في رفح مدمّرة كلياً أو جزئياً. بالنسبة للمجتمعات العربية، يحمل تدمير رفح ثقلاً إضافياً محدداً: الحدود التي كانت تربط الفلسطينيين ببقية العالم العربي هُدمت مادياً.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أعلن رفضه لتهجير الفلسطينيين إلى مصر. والملك الأردني عبدالله الثاني صرّح مباشرة: "لا لاجئين في الأردن، لا لاجئين في مصر." هذه التصريحات، في سياق أكثر من 100 ألف لاجئ غزّي يعيشون فعلاً في مصر وملايين اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ولبنان، تكشف الوضع المستحيل الذي يخلقه التدمير. أهل رفح لا يستطيعون العودة إلى ديارهم لأن الديار لم تعد موجودة. والدول العربية المحيطة بديارهم المعدومة تقول إنهم لا يستطيعون القدوم.

خان يونس: محو التراث

يضرب تدمير خان يونس في شيء أقدم من الحدود الحديثة. اسم المدينة يعود إلى خان بُني في القرن الرابع عشر على الطريق بين دمشق والقاهرة، أعظم مدينتين في السلطنة المملوكية. خان يونس النوروزي كان محطة للتجار والحجاج وسعاة البريد، عقدة في شبكة تجارة وتنقّل ربطت العالم العربي والإسلامي بأسره.

لستة قرون، وقف الخان شاهداً مادياً على أن خان يونس لم تكن مكاناً هامشياً على حافة شريط أرض محاصر، بل نقطة على أحد طرق التجارة الكبرى للحضارة الإسلامية. وسوق الخميس الأسبوعي وسوق الحبوب في البلدة القديمة واصلا تقليداً تجارياً يمتد إلى العصر المملوكي.

في 18 نيسان/أبريل 2024، قُصف الخان بغارات جوية ثم جُرف بالجرافات. انضمّ إلى أكثر من 200 موقع أثري وتاريخي دُمّرت عبر قطاع غزة، وهو تدمير وصفه باحثون فلسطينيون وعرب بالمحو الثقافي. سوق الحبوب، "القلب الاقتصادي لخان يونس" وفق تقرير الجزيرة في آذار/مارس 2026، كان من أوائل المواقع المدمّرة، تاركاً السوق الذي عمل لقرون في حالة لا يمكن التعرف عليها.

من بين أكثر من 200 ألف شخص كانوا يعيشون في خان يونس، كثير منهم أطفال في قطاع يشكّل فيه من هم دون الثامنة عشرة نحو نصف السكان، وجد من حاولوا العودة مدينة لا يستطيعون تمييزها. تحليل الأقمار الاصطناعية قدّر تدمير أو تضرر 55 في المئة من المباني، نحو 45 ألف مبنى. منظمة أنقذوا الأطفال وصفت ما تبقّى بـ"مدينة أشباح."

حين استحضر سموتريتش خان يونس قالباً لضاحية بيروت الجنوبية، لم يتردد صدى التهديد عبر العالم العربي كوعد عسكري فحسب، بل كوعد ثقافي. تدمير الخان كان تدميراً لتراث مشترك. الضاحية التي سمّاها سموتريتش هي موطن مئات الآلاف من اللبنانيين، كثير منهم نُزحوا سابقاً من جنوب لبنان. أن تعدهم بمصير خان يونس هو أن تعدهم بمصير مدينة جُرفت هويتها ذاتها بالجرافات.

النزوح الذي لا ينتهي

أنماط النزوح التي أطلقها تدمير هذه المدن الثلاث تتموّج عبر العالم العربي بطرق لا تستطيع الإحصاءات وحدها التقاطها.

في لبنان، نُزح أكثر من مليون شخص منذ توسيع إسرائيل عملياتها في 2024 و2026، أي ما يمثل نحو واحد من كل خمسة لبنانيين. على طول الحدود الجنوبية، شهدت قرى مثل كفركلا وحولا وعيترون ومارون الراس مغادرة ما بين 90 و100 في المئة من سكانها. في بلديات يارين والذيرة وبستان في قضاء صور، دُمّر أكثر من 70 في المئة من المباني. وسبع بلديات أخرى في الجنوب فقدت أكثر من نصف مبانيها.

هذه ليست أرقاماً بعيدة. الجالية اللبنانية المنتشرة في دول الخليج، في السعودية والإمارات والكويت وقطر، مرتبطة ارتباطاً عميقاً بهذه القرى. المكالمات الهاتفية تحمل الأخبار: البيت راح، الحي صار ركام، ما في مكان نرجع عليه. المحادثات نفسها تدور في المجتمعات الفلسطينية عبر المنطقة، حيث أصبح النزوح ليس حدثاً بل حالة، تمتد عبر الأجيال من 1948 إلى اليوم.

الفلسطيني العادي في غزة نُزح ما بين ثلاث وأربع مرات منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. هذا الرقم، الذي رصدته منظمات تتبع النزوح، يصف شكلاً من أشكال الوجود لا أرض ثابتة فيه، حيث كل ملجأ يصبح هدفاً وكل وجهة تتحول إلى نقطة مغادرة.

ثقل سماع أسمائنا

هناك جرح محدد في سماع مدنك تُسمّى نماذج للتدمير من قبل المسؤولين الذين يديرون ذلك التدمير. ليس كسماع خبر هجوم أو قراءة تقرير ضحايا. إنها تجربة سماع جغرافيتك تُنطق بلغة سلطة الآخر، سماع الأماكن التي عاشت فيها عائلتك تتحول إلى بنود على قائمة خيارات عسكرية.

بالنسبة للمجتمعات العربية، تتردد هذه التجربة عبر تاريخ أطول. أسماء القرى الفلسطينية المدمّرة منذ 1948، أكثر من 400 منها، تستمر في ذاكرة مجتمعات اللاجئين بعد عقود من هدم القرى نفسها أو إعادة تسكينها. الخوف من أن بيت حانون ورفح وخان يونس تنضم إلى تلك القائمة، تصبح أسماء لا يعرفها الأحفاد إلا كقصص تُروى بثقل خاص، ليس خوفاً افتراضياً. إنه يحدث الآن.

وتوسيع المفردات نفسها لتشمل مدناً لبنانية يخلق طبقة جديدة من الرعب. حين يقول سموتريتش "خان يونس" ويعني "هذا ما سنفعله بالضاحية"، فإنه يخبر الجمهور العربي بأن قواعد التدمير التي طُوّرت في غزة قابلة للنقل. وأنها يمكن أن تُطبّق في أي مكان. وأن أي مدينة عربية يمكن أن تصبح الاسم التالي على القائمة.

منظمة هيومن رايتس ووتش لاحظت أن تصريحات الوزيرين أظهرت "نية لتهجير السكان قسراً وتدمير منازل المدنيين وشن ضربات قد تستهدف المدنيين." بالنسبة للمجتمعات العربية التي تستمع، النية لم تكن موضع شك قط. الأسماء نفسها كانت الإعلان. السؤال الآن، ذلك الذي يخيّم على موائد العشاء من بيروت إلى الدوحة إلى عمّان، أبسط وأثقل: أي اسم سيكون التالي؟

Sources:

المصادر

  • أونوسات، تقييم الأضرار الشامل لقطاع غزة، كانون الأول/ديسمبر 2024 وتشرين الأول/أكتوبر 2025
  • مركز مرونة المعلومات، "تدمير رفح: مدينة تُفكّك"، 2025
  • الجامعة العبرية في القدس، رسم خرائط أضرار مباني غزة بالأقمار الاصطناعية
  • جامعة مدينة نيويورك وجامعة ولاية أوريغون، تحليل خان يونس بالأقمار الاصطناعية
  • الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بيانات السكان
  • هيومن رايتس ووتش، "مسؤولون إسرائيليون يلوّحون بتصعيد الفظائع في لبنان"، آذار/مارس 2026
  • هآرتس، تقارير عن تدمير بيت حانون
  • مصفوفة تتبع النزوح، المنظمة الدولية للهجرة، لبنان
  • الجزيرة، "رسم خريطة الهجمات الإسرائيلية ونزوح مليون شخص في لبنان"، آذار/مارس 2026
  • الجزيرة، "وسط الأنقاض، فلسطينيون يكافحون للحفاظ على أسواق غزة التاريخية"، آذار/مارس 2026
  • منظمة العفو الدولية، "التدمير الواسع الإسرائيلي لجنوب لبنان"، 2025
  • الأونروا، بيانات أعداد اللاجئين الفلسطينيين
  • منظمة أنقذوا الأطفال، تقييم خان يونس
  • أطباء بلا حدود، تقارير رفح
  • إن بي آر، "رغم وقف إطلاق النار، إسرائيل هدمت قرى في جنوب لبنان"، تشرين الثاني/نوفمبر 2025
  • توثيق أضرار قلعة برقوق، مؤسسة الدراسات الفلسطينية
This article was AI-assisted and fact-checked for accuracy. Sources listed at the end. Found an error? Report a correction